ابن قيم الجوزية
428
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم . ومنها : أنه قال في الرد عليهم : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ( 78 ) [ النساء ] ولم يقل : من اللّه لما جمع بين الحسنات والسيئات . والحسنة مضافة إلى اللّه من كلّ وجه ، والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا ، وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة ، فلهذا قال قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ( 78 ) [ النساء ] وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة ، فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة ، بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد ، وتضاف إلى النفس كونها سيئة . ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ( 79 ) [ النساء ] ولم يقل : من عند اللّه ، فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته ، والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر ، من عنده سبحانه ، فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ، ثم قال : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ( 79 ) [ النساء ] ولم يقل : من عندك ، لأنّ النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك ، فهو من نفسها ، والجميع من عند اللّه ، فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب ، والحسنة من اللّه بلا ريب ، وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ، ففرّق بين ما من اللّه وبين ما من عنده ، والشرّ لا يضاف إلى اللّه إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ، ولا يحب إلا الخير ، ولا يفعل شرا ، ولا يوصف به ، ولا يسمّى باسمه . وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء اللّه . فصل وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ